القائمة الرئيسية

الصفحات

   ملخض كتاب صناعة المبتكرين

ملخض كتاب صناعة المبتكرين


تواجه اقتصادات بعض الدول اليوم أزمات وتحديات جديدة لم تكن معهودة في الماضي. لذلك، لن يتحقق النجاح في مواجهة تلك الأزمات والتحديات إلا باتباع نهجٍ جديدٍ ومبتكرٍ على كافة المستويات والأصعدة. لقد اشتد التنافس بين الدول الساعية إلى بناء مجتمعات أكثر قدرةً على الابتكار، ولن تنجح دولة في تحقيق هذا الهدف إلا بإصلاح نظامها التعليمي وإعادة تعريف أهدافه وأركانه.

الحاجة إلى مبتكرين

يبدو الاقتصاد الأمريكي متأزمًا، بعد ارتفاع البطالة، وتراجع التوظيف - خاصةً بين الشباب -  وتبخر فرص العمل المتاحة للطبقة المتوسطة. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى "محرك نموٍ جديد"، وهذا المحرك هو الابتكار.

لطالما حرص المجتمع الأمريكي على رعاية الابتكار واحتضان المبتكرين بتأسيس منظومةٍ تعليميةٍ قوية، ووضع قوانين فاعلة لحماية الملكية الفكرية وإقامة نظامٍ اقتصادي محفزٍ على الابتكار، ويبدو أنه مطالبٌ اليوم بتقديم المزيد.

إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية الخروج من أزمتها، فإن على الشعب الأمريكي أن يزيد من توجيهاته ودعمه للمتعلمين ويدفع المدارس وكافة المؤسسات التعليمية دفعًا إلى رعاية المبتكرين  لتخريج أجيالٍ جديدة قادرة على الابتكار في كل وقتٍ وحين.

تعليم الابتكار وتعلمه

يتواجد الابتكار بمفهومه المتعارف عليه - عملية صنع شيءٍ جديد وقيم – في كل مكان يبدع فيه الأفراد في حل المشكلات. قد تكون التطورات الجديدة عبارة عن عمليات تحسين أو ضبط صغيرة يتم تطبيقها بشكلٍ تراكمي ومتتابع على التقنيات، والمنتجات، والأفكار أو الخدمات القائمة، وقد تكون تغييرات "مزعزعة" تحدث تحولات أساسية وكاسحة.

يدعو الابتكار إلى التحلي بقدرات حل المشكلات والتفكير الناقد؛ فيما يحتاج المبتكرون غالبًا إلى التعاون عبر حدود منضبطة وفي شتى المجالات، ويمكن أن يضم هؤلاء المبتكرون فئات ماهرة من العاملين في مجالات البحث، والتحليل، والتركيب والاتصال. إننا في حاجةٍ إلى تعليم الابتكار وتعلمه للحفاظ على مستوى معيشتنا وتحسين العالم الذي نعيش فيه، لابد من تعليم الابتكار وتعلمه.

يستطيع الآباء والمربون تعليمنا، وتغذيتنا وتشجيعنا على اكتساب السمات، والمهارات والعادات التي يتطلبها الابتكار، لكن نظام التعليم الأمريكي يحبط المبتكرين الطامحين ويعترض طريقهم في أغلب الأحيان. لذلك، يجب علينا تغيير نظام التعليم وعالم الشركات نوعًا ما؛ حتى يحتوي على محفزات واستراتيجيات مختلفة عن تلك التي اعتمدنا عليها في تأهيل السابقين، لتأهيل الجيل الحالي من المبتكرين.

 لم يعد الصغار في حاجة إلى اتباع الآخرين أو العمل والتعلم دون تفكرٍ أو اقتناع. إنهم يريدون طرح الأسئلة والحصول على وظائف ترضي تطلعاتهم الوظيفية، وليس تطلعاتهم المالية وحدها، وهو ما يفرض على الأجيال الأكبر سنًا أن يوجه هذا الجيل برعاية ثلاثة مجالات فسيحة تكرس الابتكار وتؤججه: "مهارات التفكير الإبداعي"، والخبرات اللازمة لاتقان مجالٍ محدد والتحفيز. الأهم من ذلك أن يولد عند الراغب في الابتكار حافز داخلي يدفعه إلى التجريب؛ فيدركه الشغف ويحقق الهدف.

الآباء يوجهون الأبناء

سلك "كيرك فيلبس" (Kirk Phelps) طريق الابتكار بتوجيهٍ ورعايةٍ من والديه؛ اللذين حرصا على مؤازرته، وتشجيعه وتعزيز ثقته بنفسه حتى سطر اسمه في سجل المبتكرين، بعدما عزف عن الدراسة في المرحلتين الثانية والجامعية، وظن الجميع أنه مقدم على الفشل.

لم يتخل والدا "كيرك" عن رعايته وإخوته وحضهم على القراءة يوميًا؛ مع السماح لهم بقراءة ما يريدون قراءته، والجلوس معًا كأسرة لمشاهدة التلفاز وقضاء وقتٍ لطيفٍ يشعرهم بقيمتهم ولا يجردهم من حقوق الاكتشاف والتجربة.

قررت الأسرة ضرورة التحاق "كيرك" بـ"أكاديمية إكستر" " Exeter Academy"، وهي مدرسة إعدادية شهيرة في "نيوهامبشاير"، وبدلًا من تركه وحده في المدرسة والإقامة بعيدًا عنه، استأجرت الأسرة منزلًا في نفس البلدة لتحافظ على روح الأسرة والتواصل الأسري.

واجه "كيرك" صعوبة في دراسة مناهجه الدراسية التي وجدها في غاية التعقيد، فترك المدرسة والتحق ببرنامج للدراسة الجامعية والدراسات العليا بـ"جامعة ستانفورد" (Stanford University)، وحصل على  عدد من برامج الهندسة، من بينها "تصميم منتجٍ ذكي" (Smart Product Design)، وهو المنهج الذي شكل مستقبله.

بعد الحصول على ثلاث دورات تعليمية، بدأ "كيرك" يركز على "الأنظمة التكنولوجية والذكية"، وحصل بعدها على فرصة العمل مع فريقٍ والتقى مع ملهمه "إد كراير" (Ed Carryer)، الذي كان أستاذًا جامعيًا متخصصًا في تصميم وتصنيع المنتجات.

أخيرًا، نجح "كيرك" في حياته العملية بعد ذلك ليكون ضمن الفريق المشرف على تصنيع أول جهاز "أيفون"، وأصبح يعمل الآن في شركة "صن رن" (SunRun)، وهي شركة مبتدئة تركز في عملها على الطاقة الكهربائية. فهل كان بوسع "كيرك" بلوغ ما بلغه من مكانة ومنصب بدون توجيه والديه وتشجعيهما له؟

رعاية الوالدين والمدارس للمبتكرين

يستطيع الوالدن مساعدة أبنائهم على أن يصبحوا مبتكرين وشغوفين به بمنحهم الوقت والفرصة للعب وعدم تحميلهم أعباء أو أعمال تثقل كواهلهم، أو باختيار ألعابٍ تدفعهم إلى "التخيل والابتكار."

يجب أن يرعى الوالدين اهتمامات أبنائهم ويشجعوهم على تنميتها، والسماح لهم بتجربة أي شيءٍ يفكرون فيه وإعطائهم الفرصة الكاملة في القيام بأي "تمردٍ بناء."

لكن هذا لا يعفي الوالدين من مسئوليتهم في اتباع منهجٍ حذر في التعامل مع التكنولوجيا الإلكترونية وتقليل عدد الألعاب الإلكترونية التي يستخدمها أبناءهم وكذلك تقليل ساعات استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي.

من ناحيةٍ أخرى، يجب أن يبحث الوالدين لأولادهم عن مدارسٍ تتبنى هذا النهج وتسمح للطلاب باللعب، والتجريب واستخدام الوسائل التكنولوجية، وهذا منهج ينبغي أن تلتزم به كافة المدارس؛ إلى جانب تشجيع الطلاب على الاكتشاف الجماعي وحل المشكلات الاجتماعي التي تواجه الطلاب.

من هذا المنطلق، يجب أن تشجع المدارس طلابها على الاستماع إلى بعضهم البعض، وتشجع مدرسيها كذلك على القراءة لطلابهم وحملهم على تمثيل القصص التي يستمعون إليها، لأن الطلاب يريدون التعلم بالطرق والأنماط التي تتناسب معهم ومع طريقة تعلمهم.

المبتكرون المتفوقون في العلوم والتكنولوجيا (STEM Innovators)

تحتاج أمريكا إلى مبتكرين متفوقين في العلوم، والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وعلى الرغم من السمعة الحسنة التي تتمتع بها الكليات الأمريكية في التعليم العلمي، إلا أن هذه الكليات تبالغ في التركيز على البحث الأكاديمي، وإعداد الدارسين لنيل درجة الدكتوراة ومكافأة أساتذة يعملون وينشرون في المجالات التقليدية.

على سبيل المثال، أبقت "جامعة ستانفورد" على "كارير" أستاذًا متعاقدًا بها، وجددت تعاقده عامًا بعد عام منذ 1992، ولم تجعله أستاذًا دائمًا بها، رغم نجاحه الساحق في التصميم ودوره الرائع في تخريج أجيالٍ من المبتكرين، في الوقت الذي فشلت فيه مناهج العلوم التقليدية في تكريس "ثقافة الابتكار."

أخيرًا، كان "كارير" يشجع الطلاب على الابتكار؛ مستعينًا بالعمل الجماعي والمنافسة لجعل المنهج الدراسي ممزوجًا باللعب والمرح، ولثقته في قدرة العمل الجماعي على تطوير مهارات التفكير الإبداعي وتشجيع الطلاب على توسيع نطاق خبراتهم واكتساب خبراتٍ أخرى تمكنهم من الابتكار والإبداع.

المبتكرون الاجتماعيون والمتطوعون

 يختلف المبدعون الاجتماعيون عن المبتكرين المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا؛ بتبني أهدافٍ مختلفة لأنهم قادمون من خلفيات فنية متحررة وليبرالية وراغبون في معالجة قضايا ومشكلات اجتماعية كمحاربة الظلم أو تحسين أوضاع هذا العالم.

يستطيع "الابتكار الاجتماعي" أن يغير ثقافة المجتمعات بتقديم التعليم عبر مدارس خاصة ومستقلة أو تمويل رواد الأعمال من خلال التمويل المصغر. لكن، في الوقت الذي يسعى فيه "المبتكرون المتفوقون في العلوم والتكنولوجيا" إلى ابتكار أشياء أو منتجاتٍ جديدة، يسعى المبتكرون الاجتماعيون بشكلٍ مثالي إلى "فرض التغيير."

من ناحيةٍ أخرى، يسعى المبتكرون الاجتماعيون الصغار إلى قضاء عطلاتهم في أنشطةٍ تطوعية، بالعمل على مشروعٍ واحدٍ من منطلق تشخيصهم لاحتياجات الآخرين وسعيهم إلى تطوير خيارات جديدة كتقديم حلول بيئية أو إنسانية أو معالجة مشكلاتٍ قائمة.

جامعات مبتكرة

يتسم النظام الجامعي – من أنظمة التحاق الطلاب بالجامعات، ومحتوى تعليمي وطرق تدريس – بالتخلف، وعدم الفاعلية وارتفاع التكلفة، فيما يحتاج المبتكرون الشباب إلى تعليمٍ بأسعارٍ معقولة؛ يتخطى حدود التأديب والتلقين.

على الرغم من ذلك، تقدم مدارس وكليات عديدة عيناتٍ مناسبة من النظام التعليمي المنشود، فها هي "كلية أولين" (Olin College) تحرص على تحفيز الطلاب وتقوية دوافعهم الداخلية؛ حيث يتعاون العاملون في الكلية على تطبيق أساليب وطرق تدريس متطورة والتعاون في تدريس مناهج متخصصة.

أيضًا، يشتهر "مختبر الوسائط" (Media Lab) في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا(Massachusetts Institute of Technology) الذي تم إنشاءه منذ أكثر من عشرين عامًا بتركيزه التخصصي النادر على الاستخدام المبدع للتكنولوجيا الرقمية.

أخيرًا، تتميز "أكاديمية تيم" (Team Academy) في فنلندا باتباعها منهجًا أكثر تطورًا في تحفيز الطلاب على الابتكار؛ بعدم احتوائها على قاعات دراسية أو معلمين وتشكيل فرقٍ من الطلاب الملتحقين بها ودفعهم إلى العمل بشكلٍ تعاوني في مشروعاتٍ حقيقية وموجودة على أرض الواقع.

الابتكار في أماكن العمل

ينبغي أن يكون أصحاب العمل منفتحين على الأفكار القادمة من أي مكانٍ في مؤسساتهم. لذلك، يجب أن يعلم المدراء أن البحث عن الفاعلية والكفاءة قد يقف ضد الابتكار، وقد تتمكن المؤسسات الأكثر التزمًا بالتدرج الوظيفي الهرمي من تدريب العاملين لجعلهم أكثر قدرةً على الابتكار.

لذلك، نرى "قيادة التدريب والعقيدة القتالية في الجيش الأمريكي" (The US Army’s Training and Doctrine Command ) حريصةً على تدريب القادة الجدد على التكيف والارتجال للتعامل مع الأوضاع المتغيرة على خطوط القتال وأثناء المعارك.

حتى يتحقق نجاح مثل هذه البرامج في الجيش، والمؤسسا الأكاديمية عالم الشركات، يجب أن يغير المجتمع تعريف السلطات والصلاحيات؛ ليتحول القادة من "حكماء حاضرين على الساحة ومشاركين في جميع الميادين" إلى "مشرفين وموجهين من على الجوانب والأطراف" ويفسحوا المجال للطلاب والعاملين للاكتشاف والابتكار.

الخاتمة

نحتاج إلى صناعة المبتكرين باعتماد مناهج تربية تقوم على أصولٍ وقواعد جديدة تتماسب مع طبائع الناشئين. لذلك، يجب علينا تطوير التعليم وتوعية الآباء والأمهات لإفساح المجال للجيل القادم والرضوخ لتطلعاته من لعبٍ، وحريةٍ وتجريبٍ؛ حتى نتمكن من صناعة مبتكرين متميزين. إن الابتكار استثمار حياة يساعدنا على حل مشكلات هذا العصر ومشكلات أخرى مستقبلية لا ندري ما هي!

author-img
فكرة تثير أفكارًا أخرى في نفوس القارئ وتدعوه إلى تحسين ذاته واكتشاف المزيد من قدراته ومهاراته.

تعليقات

التنقل السريع